ابن قيم الجوزية
89
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
بل غايتها - إذا بذل العبد فيها نصحه وجهده ، وأوقعها على أكمل الوجوه - : أن تقع شكرا له على بعض نعمه عليه ، فلو طالبه بحقه لبقيت عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقع بشكرها . فلذلك لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ، كما ثبت ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولهذا نفي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دخول الجنة بالعمل ، كما قال « لن يدخل الجنة أحدا منكم الجنة بعمله » و في لفظ لن يدخل أحدا الجنة منكم الجنة بعمله » و في لفظ « لن ينجي أحدا منكم عمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني اللّه برحمة منه وفضل » وأثبت سبحانه دخول الجنة بالعمل ، كما في قوله : 16 : 32 ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ولا تنافي بينهما . إذ توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد ، فالمنفيّ استحقاقها بمجرد الأعمال ، وكون الأعمال ثمنا وعوضا لها : ردا على القدرية ، التي زعمت أن التفضل بالثواب ابتداء متضمن لتكرير المنة . وهذه الطائفة من أجهل الخلق باللّه ، وأغلظهم عنه حجابا . وحقّ لهم أن يكونوا مجوس هذه الأمة ، ويكفي في جهلهم باللّه : أنهم لم يعلموا : أن أهل سماواته وأرضه في منته ، وأن من تمام الفرح والسرور والغبطة واللذة : اغتباطهم بمنة سيدهم ومولاهم الحق ، وأنهم إنما طاب لهم عيشهم بهذه المنة . وأعظمهم منه منزلة ، وأقربهم إليه : أعرفهم بهذه المنة ، وأعظمهم إقرارا بها ، وذكرا لها ، وشكرا عليها ، ومحبة له لأجلها ، فهل ينقلب أحد قط إلا في منته ؟ 49 : 17 يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ، قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ ، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . واحتمال منة المخلوق : إنما نقصا لأنه نظيره . فإذا منّ عليه استعلى عليه ، ورأى الممنون عليه نفسه دونه ، هذا مع أنه ليس في كل مخلوق ، فلرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المنة على أمته ، وكان أصحابه يقولون : « اللّه ورسوله أمنّ » ولا نقص في منة الوالد على ولده ، ولا عار عليه في احتمالها ، وكذلك السيد